حين تصطدم دولة القانون بخفافيش الظلام: عبد المجيد منصف… قاضٍ من دكالة حمل مشعل النزاهة إلى استئنافية الناظور
في مسار العدالة، لا تُقاس قيمة القضاة بطول المناصب التي تقلدوها، ولا بعدد الألقاب التي حملوها، بل بمدى ما يتركونه من أثر نزيه في نفوس المتقاضين، وبما يرسخونه من ثقة في دولة القانون.
وفي هذا السياق، يبرز اسم عبد المجيد منصف، الرئيس الأول لمحكمة الاستئناف بالناظور، كأحد الوجوه القضائية التي اختارت أن تجعل من النزاهة أسلوبا، ومن الإصلاح قناعة، ومن خدمة العدالة رسالة لا تقبل المساومة.
ينحدر عبد المجيد منصف من تراب دكالة المعطاء، تلك الأرض التي أنجبت رجالا عُرفوا بالجدية والاستقامة والتشبث بالقيم الأصيلة إلى جانب العلم الرصين.
وهو، قبل أن يكون مسؤولا قضائيا، ابن الشعب البار بوالديه اللذين رعاهما يحتوي وعطف إلى أن شاءت مشيئة الباري، وحكمت بالفراق ودعوات الرضى تحف من خلفاه، هو المتشبع بروح التواضع، والقريب من هموم الناس، لا يتردد في تقديم النصح والمساندة لكل من يلجأ إلى القضاء طالبا للعدالة، دون ان يبخل في مساندة من يقصده، قريبا كان أو بعيدا.

صفات إنسانية جعلت منه قاضيا مختلفا، يدرك أن العدالة ليست نصوصا جامدة، بل روحا تُصان وحقوقا تُحترم.
راكم عبد المجيد منصف تجربة قضائية غنية ومتنوعة، خبر من خلالها مختلف مستويات العمل القضائي، من النيابة العامة إلى رئاسة الهيئات، ومن قضايا التحقيق إلى تدبير الملفات المعقدة. اشتغل في عدد من محاكم المملكة، وكان لمحاكم العاصمة الاقتصادية الدار البيضاء نصيب وافر من مساره المهني، حيث التراكم الهائل للملفات، وتشابه القضايا وتعقيدها، وحيث يُمتحن القاضي في صبره وحكمته وقدرته على فرض القانون وسط ضغوط الواقع وتشابك المصالح… اشتغل القاضي منصف رئيسا لهيئة الجنحي التلبسي، وبعدها وكيلا للملك، ثم قاضيا للتحقيق، ورئيسا لمحكمة ابتدائية، قبل أن يأتيه التعيين باستئنافية الناظور، رئيسا أول لها.
وحين تولى مسؤولية الرئاسة الأولى لمحكمة الاستئناف بالناظور، لم يكن حضوره عابرا ولا تدبيره تقليديا.
اختار منذ البداية طريقا واضح المعالم: لا تساهل مع الفساد، ولا هوامش للرشوة، ولا تهاون في تخليق المرفق القضائي. خيار جريء لم يَرُق لمن اعتادوا الاشتغال في الظل، وجعلوا من القضاء، في مراحل سابقة، مطيّة للمساومات وأسواقا خفية لتبادل المصالح.
فكان أن واجه الرجل محاولات ترغيب وإغراء، تلتها حملات تشويش وترهيب رخيص، عبر الإشاعة وبث الشكوك.
غير أن عبد المجيد منصف، بخبرته الطويلة ومعرفته العميقة بدهاليز القضاء، كان يدرك أن معركة الإصلاح ليست سهلة، وأن تنظيف المرفق القضائي له ثمن.
لذلك لم ينجر إلى المعارك الهامشية، ولم يسمح للتشويش أن يُربك بوصلته.
اختار الصمت العملي، والعمل الهادئ، وتكريس سلطة القانون داخل القاعات، واضعا نصب عينيه هدفا واحدا: حماية حقوق المتقاضين وصون هيبة القضاء.
ما تشهده محكمة الاستئناف بالناظور اليوم ليس مجرد تغييرات إدارية، بل قطيعة واضحة مع ممارسات الماضي. لقد انتهى زمن “الملفات التي تُحسم خارج القاعات”، والأحكام المفصلة على المقاس، والمسارات القضائية التي كانت تُدار من خلف الستار.
إنها رسالة صريحة مفادها أن القضاء ليس غنيمة، وأن العدالة ليست مجالا للاستثمار غير المشروع.
إن ما يقوم به عبد المجيد منصف لا يمكن اختزاله في بطولة فردية، بل هو تعبير عملي عن إرادة دولة اختارت أن تجعل من تخليق العدالة خيارا استراتيجيا لا رجعة فيه.
مسار قد يُزعج المتضررين، لكنه يعيد للمواطن ثقته في قضاء يُفترض أن يكون ملاذه الأخير، وسندَه في مواجهة الظلم.
اليوم، الرسالة وصلت بوضوح: لا مكان للفساد داخل منظومة العدالة، ولا تراجع عن مسار الإصلاح. أما خفافيش الظلام، التي لا تعيش إلا في العتمة، فمصيرها الطبيعي أن تبقى خارج ضوء القانون.
وفاة علي الفاسي الفهري المدير العام الأسبق للمكتب الوطني للكهرباء والماء الصالح للشرب
الرباط – توفي اليوم الأحد علي الفاسي الفهري، المدير العام الأسبق للمكتب الوطني للكهرباء وا…



